قيمة الألم / هل ألمك ثمين؟
لعلك واسيت نفسك أو أحد رفاقك الذين تكبدوا العناء في أمر ما أو في الحياة بصفة عامة بأن أصل الحياة هو الشقاء، غير أننا ونحن نصارع هذه الآلام نتفرع: فبين من يختار العكوف في ركن قصي هربًا، وبين من يتكور بين محيطه استشفاء، لعلها طرق جيدة لتخفيف وطأة الألم، لكن.. هل فكرت يومًا إن كنت حقًا تعاني أم أنك ترى كومة التراب جبلًا ضخمًا؟
في أحد تساؤلاتي مع صديقتي حول حقيقة غياب المعاناة عند بعض من أعرفهن قالت لي: وكيف تشكل لديك هذا التصور لمجرد عدم وجود مصائب في حياتهن؟
ودعمت قولها بقصة علها تجلي نسبية المعاناة وحقيقة قيمة الألم بأن لديها زميلة مرت بأزمة نفسية ( في اعتقادها ) وطلبت المشورة لأنها لم تتمكن من اتخاذ قرار المدينة التي ستسافر لها (سياحة) بدى لي الأمر كطُرفة لكن صديقتي رأتها من جانب أعمق، بأن زميلة السفر لا تعرف المعاناة الحقيقية فشكلت لها الحيرة مأزقًا أرّقها!
ذكر الكاتب مارك في كتابه خراب أنه في علم النفس التطوري لا تعد حماية الإنسان من المصائب والمتاعب وسيلة لجعله سعيدًا أو أكثر قوة، إنما على النقيض فعدم مجابهته للمشاكل ومقاساته للألم ستجعله أكثر هشاشة وقابلية للخوف والضعف والكسر.
كما يرى مارك أن " الألم هو تجربة الحياة نفسها، فالمشاعر والانفعالات الإيجابية هي الغياب المؤقت للألم، والمشاعر السلبية هي الازدياد المؤقت للألم، وأما تخدير ألم المرء فهو تخدير إحساسه كله وإبعاده بهدوء عن الحياة".
وفي سبيل ذلك يرى أن الجري خلف السعادة ليس إلا تجنبًا للنمو على اعتبار أن الألم يعين عليه وعلى اعتباره مغذ أيضًا، ودليله أن الفلاسفة لم يتطرق أحد منهم إلى موضوع السعادة وتحقيقها إنما البحث عن حياة ذات معنى وقيمة.
ومن الذين سبقوا مارك في قيمة الألم باعتباره غذاء مي زيادة، ففي أحد رسائلها إلى باحثة البادية كتبت مي: أتمنى لك العذاب المعنوي لأنه النار التي تطهر وتحيي وترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى سماء المعاني السامية والرغبات الكريمة، ولعل باحثة البادية تتفق ضمنًا حيث كان جوابها: إنه عذاب طاهر لا يتعدى الميل إلى السكون والشعور بشيء من الحزن الشعري الجميل.
ومعنى هذا أن الألم يشبه آدائك للرياضة التي بقدر ما تجهدك وتؤلم جسدك تمدك بالقوة.
ومعنى هذا أيضًا أن الألم يغذيك.

ليست هناك تعليقات
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.