كأنما كتبت على ورق شفيف، حد إني لم أجرؤ على الكتابة والتعليق عليها، كنت أخاف أن أخدشها، أمسكت القلم بأقل من رقتي وكأنني لو أطلت الكتابة سأدميها، هذا التجرد كان كخيط يرتق جراحي أنهيتها في يوم وليلة ثقيلة من فرط الأسى، متوهجة بنور هذه المنامات.
يكتب عبدالله ثابت مناماته في حالة اليقظة التي لا يخاطب بها أحد، غير أنك وأنت تقرأها يحاصرك سؤالان: كيف يكتب بهذه اللغة التي وصفها (بالسائلة) وكأنما تصب من جوفه حالما تمس يده القلم، فتشعر وأنت تقرأها ببرودة الماء في عروقك وصولًا لقلبك.
السؤال الثاني: لماذا أشعر أن كلامه كلامي الذي لم أقله ولم أستطع قوله، كيف يفتت تساؤلاتك العميقة ويسحقها أمام عينك، كيف يستطيع بلورة الألم كقطعة فنية ماثلة أمامك أنت الذي عجزت عن وصف متاعبك؟ عجزت عن رصده وعن إيقافه وإخراجه، يحيط بك عجزك من كل مكان وتظن أنك منتصر فيهزمك حرف لم يكتب لك إنما للمجهول.
يكتب عبدالله إلى المجهول المتمثل في أمله الذي يود أنه التقاه، ولربما أنهما التقيا غير أن خطى الخوف والتردد تجره للخلف مجترة كل ما كان في ماضيه؛ محاولة حمايته وإن كان مجرد أشلاء أو رجل لا يعرف من الحياة سوى السير بطريقة آلية متابعًا حالات الناس كمشاهد من حياة أخرى لا تعنيه وليس في جوفها.
هل كانت مناماته هي وقود الأمل / الوهم الذي يدفعه للوقوف على قدميه كل يوم والسير بخطى غير مغرضة لا تسعى إلى هدف وهو الذي اختار منذ اليوم أن يكون (جنينًا) لا ينسجم مع الناس وحيواتهم المزيفة أو جحيمهم كما وصفه.
" تدرين! أشعر أني جنين، حالة الجنين لا تفارقني، وهؤلاء البشر من حولي لا يفهمون كلامنا نحن الأجنة، وأظنهم لا يعرفون أننا نتكلم أصلًا".
ما الذي يجعله يبث حروفه على صفحة في الانترنت؛ ليقرأها ولو شخص واحد كي يتلمس وجوده الحقيقي ويكتفي برفات الشعور وحسب، وهو الذي اختار الوحدة حتى عامه الرابع والأربعين، صفرًا من كل شيء، من الأهل والزوجة والصحب، الوحدة التي امتدت من الصفحة 23 - 239 غير أنه قال في صفحة واحدة وهي الـ21 " أفكر أنه لابد أن شيئًا مريرًا، مثل الوحدة، كان هو السبب في وجود هذا العالم على هذا النحو الموغل في أوجاعنا والتناقضات والجنون".
- " بل هو الشعور بالوحدة الرهيبة.. والتي نحتت هذا الحزن الطافح من الظلمة التي تكسو الفضاء".
- " مليء بالأحلام، والمواعيد المخذولة، والليالي، مليء بالحزن والوحدة".
غير أنه اتحد مع وحدته أحالها من القسرية إلى القرار والاختيار، حد تفضيله الليل ومناجاته ووصفه وتجسيده على النهار والضوء والشمس مرجحًا أن الليل والعتمة هي الأصل وأن النور وميض مؤقت، حد اختياره ( المجهول ) هدفًا!
- " هذا أنا وأنت، يا حائط العدم، أيها السور الوحيد ورائي كل ليلة أراك يا موتي الأزلي، أحن لك وأرجع إليك، لم يألفني سواك، لم تقايضني ذات يوم مهما اتكأت عليك، لم تذكرني بالعشرة والوقت ولم تنظر إلي كنذل أو خوان ".
- " أنا وإياك نعرف كم هو رث في حقيقته هذا الوجود، وتعرف كم حاولت أن أحصّن قدري بالشراسة، وأعرف من داخلي كم كابرت، أعرف كم الحب مهزوم ولكنني بكل قساوة ممكنة لم أتصرف لحظة كالخاسرين".
غسّان كما اختاره عبدالله / الكاتب اسمًا لشخصيته، أو كما اختاره والد غسان على أخيه السابق والذي كان الموت له أسبق، غسان الذي بعدما لفظه رحم أمه إلى الحياة اختارها الموت، وكأنما الموت مدسوس في جيبه وملقى بجوانب طرقاته.
غسان الممزوج من روح القرية، والشجر، والأغصان، والجبال، والسماء، والمجهول / العدم.
" أنا قُرويّ لا يغيره شيء، والقروي يحكي دومًا لبستانه: الآن بحوزتي الكثير من المرارة، وأحتاج إلى عراء بعيد، أحتاج إلى جذع ألطّخه بحلمي، أحتاج أن أمسك بشجرة من عنقها، أن أخنقها وأحلف لها أنني لا أرى الظل... أحتاج أن أقول بلا خجل بأنني رجل من آخر الريف حين يرى غصنًا مكسورًا يقبض على قلبه".
غسان القروي الذي يستطيع بفطرته النفاذ إلى جوف المرء حدّ أن يرى في عيني الغريب " خارطة شاسعة، وبيوتًا من الطين، وأعشاشًا بحجم القبضة".
إعادة تعريف:
وردت بعض المصطلحات أو الكلمات المتعارف عليها بمعناها المحدد بمعنى مغاير في هذه الرواية، وبلغة شعرية اكسبتها معان عدة:
- راحة اليد: عنها يقول غسان: " أغرب أجزاء الجسد تلك المساحة الصغيرة التي يبدأ منها الحب، والرائحة، والمواثيق، وفيها تنمو لغة كل حروفها من الطبيعة، وكلماتها من الحس، راحة اليد قلبُ مكشوف".
- العدم: " العدم ليس سيئًا، إنه عالم سحري رهيب لدرجة أنه لا يمكن لأحد أن يشعر به... العدم هو اللا شيء الكبير الذي تنتهي إليه كل الحكايات". وكأنه بهذه الصورة يريد أن يقول: أن العدم موجود / مخلوق، ينهي الحكايا يغشاها بسواده كالليل / أو ببياضه كالأكفان لا يهم، المهم أنه موجود وكائن، له عالم كما أخبرنا عالم متكامل لم نعرف منه سوى أنه بقعة النهايات المتكررة".
- الحقيقة: " هي الخدعة الخاصة لكل منا، وهي دائرته العميقة، وأداته التي يستخدمها ليتعرف بها على خبايا المجهول ".
- الرغبة: " مكيدة تشبه شيئًا يخرج من العتمة، يسيح في كل خلية وشريان وعظم، مكيدة تجعل جسدي يانعًا أكثر وترقطه بالبريق من كل ناحية، يصبح شعلة شفافة تحركها نفخة، وتطفئها نفخة".
- الأنا: " مكيدة السؤال، ترجم به الخيبة على طمع الغزيرة، فلا ينخدش الجسد، لكن شيئًا ما في الروح يطقطق فيه شرخ صغير ثم يكبر حتى يصير كسرًا، أناي واحدة لكنها تقسم كل شيء إلى اثنين".
- الغياب: " كان مكيدة تعيسة في أولها، لكن الغياب نفسه صار كهفًا آمنا لا يصل إليه أحد سوى الحنين".
جاءت الرواية بالشخصية الرئيسة (غسان) وبشخصيات ثانوية ظهرت في أولها ثم غيبها الموت تواليًا، والدته، والده، أخيه، محبوبته، مدير العمل، والتي تتساقط بعضها إثر بعض تماشيًا مع فكرة الوحدة والعزلة التي نسجها غسان منذ أن كان جنينًا.
جاء الحوار قليلًا في الرواية، ولعل الشخصية الثانية المستمرة كانت (ماريا) التي مثلت المجهول أو التي تمنى غسان أن تكون، أو لعلها كانت بالطريق ذاته سعيًا خلف العدم.

ليست هناك تعليقات
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.