هل العواطف سبب شقاء الانسان؟
ذكر مارك مانسون هذه القصة في كتابه (خراب، كتاب عن الأمل)، كان
إليوت رجلًا ناجحًا ومميزًا في عمله ولديه عائلة جميلة، أجبرته حالته الصحية إجراء عملية لإزالة ورم من المخ، وقد تكللت العملية بالنجاح وعاد إلى حياته.
غير أنه أصبح يقوم بتصرفات مغايرة لأطباعه، فأهمل أسرته وعمله وتغيب
عن اجتماعات المستثمرين ليذهب ويشتري ثقابة ورق جديدة! وصارت قرارات بسيطة مثل: تقرير استخدام القلم الأزرق أو الأسود تستلزم ساعات من وقته، صار إنسان لا علاقة
له بالزمن أبدًا!تعاطف الزملاء معه أول الأمر وحاولوا التغطية عليه لكن سرعان ما صارت هذه التغطية عبئًا بالنسبة إليهم حتى فصل إليوت من عمله بعد شهور من الأخطاء، كما هجرته زوجته وأطفاله بسبب إهماله وتبدل حاله.
أصبح إليوت صِفرًا من كل شيء وتبدل حاله للنقيض من أوج النجاح إلى أسفل
الفشل. المريب في الأمر أنه لم يشعر بكل هذه الكوارث التي كانت بسبب أفعاله ولا
مبالاته!
هجره الجميع عدا أحد أصدقاءه الذي شعر بغرابة الأمر، وعرضه على الأطباء
الذين لم يتبينوا السبب لأن كل النتائج جيدة.
غير أن طبيب الأعصاب انتونيو داماسيو فعل ما لم يفعله الأطباء، فقد
أجرى معه حديثًا حقيقيًا أراد من ورائه أن يعرف منه كل شيء، كل غلطة وكل ما ندم
عليه وكيف فقد عمله وأسرته ومدخراته، استطاع إليوت أن يشرح القرارات التي اتخذها
لكنه لم يستطع شرح السبب الذي دفعه لاتخاذ تلك القرارات مثل: لماذا قرر أن شراء
ثقابة ورق كان أكثر أهمية من الاجتماع!
كان إليوت يدرك تمامًا حجم الكارثة التي أصابت
حياته لكنه لم يكن آسفًا على الإطلاق!
كما عرض الطبيب أمام إليوت صورًا تمثل بشاعة الحروب من صور ضحايا، ومشاهد قتل مروعة
ومدن مدمرة، وأطفال جائعون غير أنه لم يتأثر وظل غير مبالٍ!
تبين الخلل هنا. . توصل انتونيو إلى فكرة مفادها أن اختبارات
الأطباء السابقين كانت مصممة من أجل قياس قدرته على التفكير لكنها لم تكن اختبارات
مصممة لقياس قدرته على الإحساس، اكتشف انتونيو أن هذه مشكلة إليوت لقد بقيت معرفته
وقدرته المنطقية سليمة لكن العملية الجراحية التي أجريت من أجل استئصال ذلك الورم
أدى إلى إلحاق ضعف شديد بقدرته على الشعور والتعاطف.
لعل هذا يجعلنا نطرح سؤالًا مهمًا: إذا كانت قدرات إليوت المعرفية
(الذكاء، الذاكرة، الانتباه) في حالة ممتازة، فما الذي جعله غير قادر على اتخاذ
قرارات صحيحة؟
إليوت رجل تجرد تجردًا تامًا من مشاعره وانفعالاته ولم يملك سوى
قدراته العقلانية إلا أن حياته أصبحت كارثة حقيقية، أصبح غير واع يتصرف كجهاز
عشوائي متخبط رغم سلامة منطقه. حالته خالفت كل ما هو معروف عن السيطرة على النفس
وأننا نستطيع بالمنطق أن نرغم أنفسنا على فعل أشياء جيدة لنا على الرغم من دوافعنا
ومشاعرنا.
أدى هذا الحدث أو هذه القصة المأساة إلى تجلية وإيضاح مسألة مهمة
وهي بحسب مارك مانسون أن الإنسان يمتلك عقل مفكر وآخر يشعر، والوعي كامن في العقل
الذي يشعر، وعيك بضرورة هذا التصرف وعدمه، شعورك إن كان جيد أو سيء، غير أنه يحتاج
إلى العقل المفكر لتحقيق التوازن.
لعل هذا يجيب على تساؤلي، فليس بالضرورة أن تكون العواطف شقاء لعلها
نعيمًا، لربما حتى الشعور بالأسى أمرًا إيجابيًا أو محرضًا لك للتصرف أو الحماية أو
اجتناب أمر ما وغيره كثير من الاحتمالات الجيدة مقارنة بقصة إليوت.
شعورك وقودك \ يقودك للطرق الصحيحة غالبًا لأنك تشعر بالمشاعر التي
تحرك وعيك، تشعر بالخطر والخوف وضرورة العمل والنجاح والكفاح والعطاء وغيرها مما يعينك
على التقدم.
ذكر مارك أن لهذا الأمر جانب سلبي في حال طغى الشعور على الفكر والعكس
مع الأخذ بالحسبان أن دافع وعيك هو الشعور لأنه لا يفهم على نقيض المفكر الذي يحلل
ويخطط ويفكر ويستنتج ويحتاج إلى خطة وصبر للتعامل مع شعورك حتى يتحدان.
الأمر أشبه بصديقين أحدهما مندفع والآخر يسير وفق خطوات مدروسة وطريقهما
واحد، كيف سيكون التعامل بينهما؟
لربما أن المسألة أعقد مما طرحت أو أبسط مما ظننت غير أنها منطقية في
حال النظر إلى أي مدى تحركنا المشاعر وتتدخل في اتخاذ القرارات انتصارًا على الخطط
والمنطق أحيانًا!
ولعل هذا يتطلب إعادة النظر حسب المؤلف في مقولة: "أنا أفكر إذا
أنا موجود". 
ليست هناك تعليقات
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.